7872 المشاهدات
قصة ابتلاء سيدنا يحيى وزكريا عليهم السلام

القصة نسيج لحدث يحكي عبرة، ويوصل فكرة وقد حث القرآن عليه قال تعالى (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الأعراف: 176) وأحسن القصص ما قصه القرآن في كتابه قال تعالى (نحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) (يوسف: 3) فقصص القرآن حق لا يعتريه الزيغ ولا الكذب قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) (آل عمران: 62) ولقد قص علينا القرآن حكاية أمم غابرة يذكرنا بحالهم ومآلهم قال تعالى (كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً) (طـه: 99) فذكرنا بأحوال قرى آمنت وأخرى عتت عن أمر ربها قال تعالى (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا) (الأعراف: 101).
وأردف القرآن بقصص للأنبياء لا غنى للذاكرة عنها فذكرها وأعرض عن أخرى قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ) وقصص الأنبياء في القرآن عبر وحكم يستنير بها الضال ويسترشد بها الحائر قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111) فشأن القصة تثبيت الأفئدة وعظة من حكم الزمان مع الإنسان قال تعالى (وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود: 120).
وسوف نعيش في رحاب القرآن نسترشد بقصصه ونتعظ بعبره ونستفيد من أحكامه فننال من الله تعالى السداد والقبول.
نعيش اليوم معكم مع قصة آخر الأنبياء، قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي قصة نبيَّيْ الله زكريا وابنه يحيى عليهما السلام اللذين عاشا في زمن عيسى عيه السلام الذي سنتطرق إلى قصته وحده، لما فيها من أحداث ومواقف ومعجزات تم ذكرها.
وزكريا عليه السلام نبي كريم وعابد لله تعالى، وهو من ذرية أنبياء كرام، ذكر أنه ينسب إلى يعقوب عليه السلام، وكان مع ذلك إنساناً فاعلاً في مجتمعه، يأكل من عمل يده بمهنة نجار، وأرسل في بني إسرائيل، وحدث في عهده أن رجلاً كان يسمى عمران من ذرية إبراهيم عليه السلام، وكان راهباً عابداً اصطفاه الله تعالى و آله، مثلما اصطفى آدم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، وحينما حملت زوجة عمران، نذرت أن تجعل الجنين الذي في بطنها خادماً لله تعالى، يقوم على خدمة دار العبادة، ويعنى بشؤونها، فقالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، فلما ولدت تبين أن المولود أنثى، لا يجوز أن تخدم الدير، بحكم أن هذه الوظيفة لا تحق إلا للذكور، {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ .
وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}، وحينما كبرت مريم عليها السلام، وصارت قادرة على خدمة دار العبادة، تسابق الرهبان لكفالتها، واقترعوا في ما بينهم بأن وضعوا الأخشاب في النهر، واتفقوا على أن الشخص الجدير بكفالتها هو من تبقى خشبته في النهر، وكان من بين المقترعين زكريا عليه السلام الذي بقي سهمه في مكانه، وأخذ يمشي بعكس اتجاه التيار، فعرفوا أن القرعة من نصيبه، وأن هذه إرادة الله تعالى في ذلك.
الدخول على مريم في المحراب :
كان لمريم عليه السلام ركن خاص تختلي فيه بنفسها لعبادة الله، وكلما كان عليه السلام يدخل عليها ذلك المحراب، يجد عندها من الطعام الشيء العجيب، كان يجد فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، ولما سألها عن مصدر هذا الطعام الذي لا يمكن لأحد أن يأتي به، لا سيما أنه لم تكن الأجهزة التي تحفظ الأطعمة موجودة في تلك العصور، ولم تكن ثمة وسائل لنقل الطعام من بلد إلى آخر، أجابته عليها السلام: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}، فعندها {دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ .
قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}، وكان عليه السلام في ذلك الوقت رجلاً طاعناً في السن، جاء في بعض الروايات أن عمره بلغ 77 عاماً، وامرأته كانت «طاعنة» كذلك، ووصلت إلى سن اليأس، وهنا يعلمنا عليه السلام كيف ندعو الله تعالى، فهو مع كونه شيخاً كبيراً، وامرأته عاقراً، فإنه لم يدعُ الله تعالى بالذرية فقط، بل اشترط في دعائه أن تكون طيبة، لأن المهم هو صلاحها وليس كثرتها.
استجابة الدعاء :
ما إن دعا زكريا عليه السلام ربه، حتى استجاب له، لأنه سبحانه يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ولا تقف دون إرادته أي إرادة، فأوحى الله تعالى للملائكة أن تزف له البشرى باستجابة دعوته، فقال الله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}، فاستعجب زكريا عليه السلام مع فرحه من هذه البشارة، وأخذ يستفسر عن الكيفية التي سيأتي بها الولد وامرأته عاقر لا تنجب، وهو شيخ كبير، فبينت له الملائكة أن هذه منَّة من الله تعالى، وكما أنه سبحانه أوجد المخلوقات من العدم، فإنه قادر على فعل ذلك.
هنا طلب زكريا عليه السلام من الله تعالى أن يعطيه علامة لوقت استجابة الدعوة، فجاءه البيان أن فمه سيعجز عن الكلام مع الناس، من دون أن يكون فيه مرض أو علة، وعندما خرج عليه السلام من مصلاه، وأراد التسبيح، استطاع ذلك وسمعه الناس، لكنه حينما أراد الكلام معهم لجم لسانه، ولم يستطع ذلك بغير التسبيح، وخاطبهم بالإشارة أن سبحوا بكرة وعشياً.
ميلاد يحيى :
عندما ولدت زوجة زكريا طفلاً ذكراً، سماه الله تعالى اسماً لم يسم به إنساناً من قبل، إذ قال سبحانه: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}، وقد حبا الله تعالى هذا الطفل بصفات ومزايا منذ مولده، فبشر أباه بأمور، أولها أنه سبحانه من سماه يحيى، ثم إن الله تعالى جعله {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}، أي أنه كان مصدقاً لرسالة عيسى عليه السلام، وكان سيداً في العلم والحلم والعبادة، وجعله حصوراً أي معصوماً من الذنوب والآثام، وأعظم من ذلك كله أن الله تعالى أكرمه وشرفه بمقام النبوة فقال {وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ}.
زكريا ويحيى مع الملك :
كبر يحيى عليه السلام، وكان ورعاً زاهداً مع كونه عالماً تقياً، حتى قيل إنه كان يأكل أوراق الأشجار كي لا يخالط الناس أو يكون بحاجة إليهم، وكان الناس يستفتونه في أمورهم، ويسمعون منه أحكام الله تعالى، حتى مع وجود أبيه زكريا عليه السلام، فمن ذلك أن الملك في ذلك الزمان عشق ابنة أخيه، وأراد أن يتزوجها، بالرغم من أنه من محارمها، فاستفتى يحيى عليه السلام في أمره، وطلب منه أن يرخص له بهذا الزواج السفاح، وقد كان ذلك الملك معروفاً بكونه طاغية جباراً فاسقاً، وكانت بنت أخيه تعشقه أيضاً، وكانت ذات أخلاق فاسدة، فأرادت أن تتزوجه، وأخذ الملك يتودد بالكلام ليحيى عليه السلام حتى يرخص له في ما يريد، فما كان منه عليه السلام إلا أن جمع الناس، وبين لهم أن زواج الرجل بمحارمه من أشد الفجور، وهو ما أثار غضب الملك الذي توقع أن يحيى عليه السلام جمع الناس ليخبرهم صحة زواجه بابنة أخيه، ووقع في حرج شديد، إذ لو تزوج بها بعد هذه المقولة، سيثور عليه الناس، وسيصبح ذكره على كل لسان.
كما أن ذلك الملك أراد أن يفعل الفاحشة مع ابنة أخيه الفاجرة التي كانت ترقص له وتغني وتحاول إغراءه، لكنها رفضت تمكينه من نفسها إلا بعد أن يتزوجها، فذكر لها ما كان من أمره مع يحيى عليه السلام، وأنه رفض أن يقره على هذه الزيجة، بل جمع الملأ وفضح أمره لكي يقيم عليه الحجة، فقالت تلك المرأة الفاجرة «إذاً فتزوجني، ولا أرضى بمهر غير رأس يحيى عليه السلام»، وأعمت بهذا الطلب بصيرة الملك الذي أمر بقتل يحيى عليه السلام، وأرسل إليه من يحضر رأسه، وهو ما كان حيث ذهبوا إليه عليه السلام، ووجدوه يتعبد في مصلاه، فقتلوه وقطعوا رأسه وأتوا به ليكون مهر تلك الزانية.
قتل زكريا عليه السلام :
بعد هذه الجريمة النكراء التي فعلها ذلك الحاكم الفاسد في نبي الله تعالى، خاف من أن يثور زكريا عليه السلام من هذا الفعل، وينتقم لموت ابنه نبي الله يحيى، فما كان منه إلا أن أمر بقتله عليه السلام، مخافة أن يفتن الناس ويقيمهم عليه، فقيل إن زكريا عليه السلام هرب منهم، فأخذوا يقتفون أثره ويحاولون الظفر به، إلى أن نادته شجرة في إحدى الغابات، وطلبت إليه الاختباء في جذعها، فأتاها ودخل، إلا أن طرف ثوبه بقي ظاهراً في الخارج، وجذب أعين المقتفين الذين أتوا بمنشار، وشقوا الشجرة نصفين حتى قتلوه عليه السلام.